لا أعرف من اين ابدأ قصتى لكنى سأقول لك انى كنت كبرى اخواتى البنات السبع نعم فلقد كنا ثمانى بنات نعيش فى شقة من حجرتين.. حجرة من داخل حجرة فى بئر السلم فى بيت بالسيدة زينب، وكان أبى ترزى سيدات يعمل طول النهار على ماكينة الحياطة وتساعده امى فى تشطيب الفساتين، وكان دخله من هذا المضنى يكفى بالكاد
لنفقاتنا اليومية بحكمة امى التى تدبر حياتنا بحرص شديد وتحرم على أبى ان ينفق مليما فى غير موضعه.. فحتى السيجار كانت حرمها عليه واذا دخن سيجارة خلسة انتزعتها امى من فمه بحجة الا تحرق فساتين الناس، لكن امى التى كانت تدير شئون هذه الأسرة الكبيرة لم تكتف بثمانى بنات لأن نفسها كانت تنازعها الى ولد ! فأنجبت للمرة التاسعة وجاء الولد فعلا.. لكنها لم تفرح به لأنها توفيت بعد 5 أيام فقط من مولده بحمى النفاس وتركت وراءها 9 اطفال اكبرهم انا فى الثانية عشرة من عمرى وأصغرهم شقيقى وعمره 5 ايام.. وكنت فى لآخر سنة فىالمدرسة الابتدائية فتركتها وجلست فى البيت لأقوم بكل اعمال امى رحمها الله فكنت اطبخ وأغسل وأمسح وأرعى شقيقى الرشيع واساعد ابى فى تشطيب الفساتين لكى يأخذ اجره ويعطينا ما نشترى به الطعام كما كنت احمل شقيقى الرضيع على كتفى مرتين كل يوم واذهب به الى بيت خالتى فى حى عابدين لكى ترضعه لأنها كانت قد انجبت حديثا، ولم اكن اشكو من شىء الا من ان ابى قد تغير بعد وفاة امى. فكان يأخذ معظم ما يكسبه بعد ان يترك القليل ويخرج فى المغرب ولا يعود الى فى آخر الليل مخورا ومغميا عليه ولم يتحمل المأساة طويلا فخرج ذات يوم ولم يعد وتركنا سامحه الله للآقدار نواجه الحياة وحدنا .. وشقيقى الصغير عمره 35 يوما فقط.. ووجدنا انفسنا ياسيدى 9 اطفال بلا اب ولا ام وليس معنا مليم واحد فكان الجيران الطيبون يرسلون لنا الطعام كل يوم الى ان يعود ابى الهارب وكنت اواصل الذهاب مرتين الى خالتى لترضع أخى لكن"بنى ادم ثقيل" ياسيدى كما تعرف ويبدو اننى كنت قد اثقلت على خالتى دون ان ادرى فلم أشعر يوما وانا ذاهبة اليها حاملة اخى الذى يبكى الا وحماتها تخرج لى من باب الشقة وتطردنى أنا واخى وتحرم على ان اعود به مرة اخرى فحملته وهو يبكى ونزلت السلم وأنا ابكى فركبت الترام وانا اتهرب من الكمسارى ونزلت السيدة زينب وأخى "يرفر" من الجوع وهدانى تفكيرى كطفلة الى ان ادخل مسجد السيدة زينب وكلما رأيت سيدة أسألها: هل ترضعين ياست؟ فتقول لى واحدة:لا يبابنتى والأخرى تقول لى: ياريت يابنتى الى ان رأتنى سيدة عظيمة اخذت منى اخى وجلست على الأرض وأرضعته حتى شبع ونام ثم سألتنى عن حكايتى فقلت لها كل شىء.. فاذا بها تبكى بصوت عال ثم اخذتنى معها الى بيتها وقدمت لى الطعام وعرضت على ان اعمل عندها، فوافقت بدون تردد لأننا لا نستطيع ان نعيش الى الأبد على طعام الجيران، وهذه السيدة العظيمة التى كان لها اكبر الأثر فى حياتى وحياة اخوتى فيما بعد كانت تعمل دلالة تشترى الأقمشة والمفروشات وتبيعها بالتقسيط المريح للعائلات.. وكانت لهاسمعة كيبة فى الحى كله.. وتتساهل مع "المعذورين" وتؤجل لهم الأقساط وكان صاحب البيت الذى نسكن به بارك الله فيه لا يطالبنا بالايجار منذ ان اختفى ابى وظل كذلك لسنوات طويلة وبدأت العمل مع هذه السيدة العظيمة فكنت اذهب اليها كل صباح فتأخذ منى أخى بلهفة وترضعه وتهتم به واقوم بمساعدتها فى شغل البيت وأحيانا اذهب الى الزبائن وأحضر لها القسط الشهرى، وكانت تعطينا عشرين كنيها كل شهر، كنت اصرفها "بالحكمة" وببركة من عند الله كانت تكفينا شر الحاجة وكنت اعود من بيتها فى المغرب مع اخى الرضيع فأرعى شئون اخوتى مع اختى التىتصغرنى بعام واحد وبتوفيق من الله سبحانه وتعالى وبمساعدة اهل الخير مصت الحياة بنا فتعلمت الخياطة وجلست على الماكينة فى بئر السلم مكان ابى الغائب الذى لا نعرف هل هو على قيد الحياة ام طواه التراب سامحه الله؟ وبضل الله قامت هذه السيدة العظيمة التى اعتبرت نفسها مسئولة عنا بتزويج اثنتين من شقيقاتى لاثنين من اقاربها زواجا موفقا وسعيدا..
وقد سعت لتزويجهما لكى تخفف عنى الاعباء التى زادت على بعد ان تقدمت شقيقاتى فى مراحل التعليم فالتحقت احداهن بكليةالطب والأخرى بكلية الأثار والثالثة بمعهد الخدمة الاجتماعية اما الباقيات ففى مراحل التعليم المختلفة واما شقيقى الأصغر الوليد الذى حملت مسئوليته وعمره 5 أيام فقد بلغ السنة الأولى من التعليم الثانوى اما شقيقتاى اللتان تزوجتا فهما مثلى لم تكملا التعليم الابتدائى بسبب الظروف التى واجهتنا فى البداية وقد احسست بالفراغ الذى تركناه بعد زواجهما لأنهما كانتا تساعدنى فى عمل البيت وفى الخياطة فأرهقتنى مسئولية البيت وتقوس ظهرى من الجلوس على ماكينة الخياطة فى بئر السلم وضعف بصرى من كثرة العمل وأرهقتنى مطالب المدارس والكليات من الملابس والكتب والأحذية وبالذات من الأحذيةالتى ارتفع ثمنها وقلت جودتها فساعدتنى ابنة الجيران التى تعمل ممرضة فى احدى الدول العربية والتى تعرف ظروفنا جيدا على العمل فىالخارج فتركت اخوتى فى رعاية ربنا والناس الطيبين وسافرت للعمل فى مشغل كبير للتفصيل يشغل الدور الأول منالمبنى ويقع سكن المغتربات فى الدور الثانى منه وكانت صاحبة المشغل كريمة معى وكنت على اتصال دائم مع اخوتى ولم احتمل فراقهم اكثر من سنة ونصف السنة وطلبت اجازة وعدت اليهم ومعى اغلى الهدايا من فضل الله ونقود كثيرة فأشتريت لهم تلفزيونا ملونا من السوق الحرة وقمت بترميم الشقة ودهنت الجدران بالزيت وهدمت الحمام وعملته بالقيشانى! واشتريت ثلاجة وعوضت اخوتى كل سنوات الحرمان وفرحوا بى وفرحت بهم..
وخلال اجازتى فى القاهرة قالت لى السيدة العظيمة أنه قد لآن الأوان لأن اتزوج بعد ان بلغت التاسعة والعشرين والحق انى كنت فى التاسعة والعشريت لكنى كنت احس ان عمرى 90 سنة.. فقلت لها انى لم افكر فى الزواج فأصرت وأحضرت لى عريسا مناسبا يملك ورشة نجارة ويعمل فيها وصممت على ان اقابله فقابلته ورأيته انسانا كيبا متدينا وتمت الخطبة وعقد القران وكان طلبه الوحدي منىان ارتدى الحجاب، وكان طلبى الوحيد منه ان يتركنى اعود للعمل فى الخارج لمدة عامين آخرين لأدخر مصاريف تعليم اخوتى لكيلا اتركهم فى منتصف الطريق بعد ان صارحته بأنى لا استطيع المشاركة معه فى اعداج اثاث الزوجية ووافق زوجى على ذلك وارتديت الحجاب وسافرت وبدأت رسائله تصل الى وتسعدنى حتى لاحظت زميلاتى فى المشغل انى تغيرت وأصبحت مرحة وأحب اليحاة والأمل.. لكنه ياسيدى بعد 4 شهور فقط من سفرى كتب الى يطلب منى العودة الى مصر فورا للزواج قائلا انه رجل "كسيب" ولا يوافق على ان تعمل زوجته فى الخارج ويطالبنى بأن اختار بينه وبين عملى فواجهت الحيرة.. انه ينتظر منى ردا عاجلا.. وأنا اريد منك أن تشير على بأقصى سرعة.. ماذا افعل هل اترك عملى واعود الى زوجى الذى لم يحترم عهده لى بالسماح بالعمل لمدة سنتين ويضيع مستقبل اخوتى وهم فى منتصف الطريق ام أرفض وأضحى به واواجه المجهول فى هذه السن؟ اننى اريد ردا عاجلا قبل ان اكتب اليه .. فماذا تقول لى؟
● ولكاتبة هذه "الملحمة" البطولية أقول
انى اهدى رسالتك هذه لكل من يتملكه العجز والاحباط اذا واجه أية عقبة فى طريق حياته فييقعد ملوما محسرا! فها هى أسرة من 9 افراد عائلها "ومرشدها" طفلة فى الثانية عشرة من عمرها .. تجد نفسها فجأة فى مهب الريح بلا اب ولا ام ولا معين ولا مورد.. فتقدم بتلقائية وباحساس غريب بالمسؤلية يفتقده احيانا الرجال وتحمل الأمانة التى تنوء بالمسئولية يفتقده احيانا الرجال وتحمل الأمانة التى تنوء بحملها الجبال وتقود سفينة الأسرة وسط الصخور/ فلا تنهار الأسرة ولا تنحرف ولا ينفرط عقدها.. وانما تتراحم وتترابط وتتكاتف كما تفعل افراخ الطير حين تتداخل فى بعضها البعض التماسا للدفْ فى ليالى الشتاء! لقد ألقت على رسالتك ياصديقتى درسا لن أنساه فى قيمة الكفاح وتحدى الصعاب وحمل الأمانة والتضحية من اجل الآخرين وقدمت لى رسالتك نماذج من البشر لا يملك المرء الا ان يحترمها وان يحبها على غير معرفة ولقد احببت كثيرا هذه السيدة العظيمة فعلا وعملا التى بكت بصوت عال عندما سمعت منك قصتك ثم اعتبرت نفسها مسئولة عنك وعن اخوتك أدبيا وما زالت تمارس مسئوليتها بنفس الأمانة التى الآن حتى لتسعى الى تزويج شقيقتيك من بعض أقارها وتسعى الى زواجك والى تذكيرك بنصيبك من الدنيا! ربما بأرحم مما تفعل بعض الأمهات والشقيقات..
,احببت معك ايضا هؤلاء الجيران البسطاء الطيبين الذين كانو يرسلون لكم الطعام عقب اختفاء ابيك الهارب لا سامحه الله! وأحببت معك صاحب البيت النبيل الذى لم يطالبكم بايجار بعد فرار ابيك ولمدة سنوات طويلة ولمك يفرك لحظة فى انتهاز الفرصة وطردكم من الشقة.. كما قد يفعل بعض من قدت قلوبهم من حجر قلوبهم من حجر، وأمثاله كثيرون وأمثال هؤلاء الجيران الطيبين أكثر فى كل مكان وزمان مهما بدا لنا عكس ذلك احيانا!
وأحببتك كثيرا واحترمتك أكثر وانا اقرأ تفاصيل كفاحك وأحببت فيك روح التضحية التى تبدو عميقة ومتأصلة فى شخصيتك كما احببت فيه نفسك الراضية التى لا تحمل حقدا لأحد ولا مرارة ضد الدنيا رغم الأهوال لتى واجهتها وانما تتذكر لكل انسان فضله فتتحدثين عن السيدة "العظيمة" والجيران الطيبين وصاحب البيت النبيل وصاحبة المشغل الكريمة، وهكذا كل الناس من حولك لأن من يحب الناس يحبه الناس عادة ولأن شخصيتك المضحية الأمينة تفتح لك القلوب بيسر وسهولة لذلك فان زوجك محق بالتأكيد فى ان يتمسك بك وفى ان يتعجل عودتك وأنصح ياصديقتى بالاستجابة الى طلبه.. وبعدم التفشريط فيه فليس من العدل ان تطالبك الحياة بالمزيد من التضحيات بعد كل هذه الملاحم والأهوال ولا يعنى ذلك ابدا أن تتخلى عن اخوتك. فمن بنى هرما كالذى بنيته يسعده ان يكمله ولابد من استكماله وسوف تستمرين فى اداء واجبك فى حدود قدرتك وفترة العام ونصف العام الباقية لن تغير كثيرا من واقع الحال لكن تمسك بها قد يفقدك فرصتك فى الزواج والاستقرار وهو ما لا اريده لك فعودى يا صديقتى الى زوجك ودبرى امر مساعدة اخوتك بما تبقى معك من مدخرات وبما يتسطعيون الحصول عليه من عائد العمل فى شهور الصيف وعلى الماكينة فى اوقات الفراغ طول العام وسوف تواصلين لهم العطاء بعد استقرار حياتك الى ان ينتهوا من تعليمهم وثقى ان الحياة لن تتخلى عنكم كبارا .. كما لم تتخل عنكم فى اقسى الظروف صغارا .. وفى هذا الصدد كدت ان الومك انك وافقت على اختيار شقيقتك لنوع من الدارسة باهظة التكلفة وطويل الأجل كدراسة الطب مع هذه الظروف القاسية النى واجهتكم كما كدت ان الومك على الموافقة على اختيار التعليم النظرى الطويل الذى لا يؤهل لعمل سريع بالنسبة لبعض الشقيقات الأخريات او لاختيار التعليم الثانوى لشقيك بدلا من تعليم متوسط يختصر الطريق ويخفف عنك الاعباء كدت ان اقول لك كل ذلك لولا انى تذكرت فجأة صورتك وانت فى الثانية عشرة من عمرك تحملين شقيقك على ذراعك وهويبكى من الجوع وانت تبكين من القهر ثم تذهبين به الى مسج السيدة زينب تسألين له الرضاعة من كل من تقابلينه ووراءك فى البيت 7 شقيقات صغيرات محرومات ينتظرن رعايتك فافت نفسى ان اوجه اليك اى لوم مهما كان رقيقا فمثلك يلتمس له العذر ولا يلام ومثلك ليس له عندى سوى الحب والاحترام.
ملحوظة: زارتنى كاتبة هذه الرسالة بعد شهور من نشر رسالتها وابلغتنى ان زوجها كتب اليها بعد ان قرأ الرسالة يؤكد لها تنازله عن مطالبتها بالعودة السريعة ويترك لها ان تحدد الفترة التى تراها مناسبة لتحقيق هدفها ويؤكد لها تمسكه لها فى كل الأحوال وأن صاحبة المشغل الذى كانت تعمل به قد قرأت رسالتها وعرفت قصتها وطالبتها بالاستمرار معها لمدة شهرين فقط وبعد انتهائهما اعطتها مكافاة كبيرة تزيد عن مستحقاتها لديها من مكافأة نهاية الخدمة اضعافا مضاعفة، فعادت الى مصر سعيدة وزفت الى زوجها ثم جاءت الى تستشيرنى فى امر شاب تقدم للزواج من شقيقتها الصغرى مواصلة بذلك اداء مسئوليتها "كربة بيت" عن امور اسرتها!
لنفقاتنا اليومية بحكمة امى التى تدبر حياتنا بحرص شديد وتحرم على أبى ان ينفق مليما فى غير موضعه.. فحتى السيجار كانت حرمها عليه واذا دخن سيجارة خلسة انتزعتها امى من فمه بحجة الا تحرق فساتين الناس، لكن امى التى كانت تدير شئون هذه الأسرة الكبيرة لم تكتف بثمانى بنات لأن نفسها كانت تنازعها الى ولد ! فأنجبت للمرة التاسعة وجاء الولد فعلا.. لكنها لم تفرح به لأنها توفيت بعد 5 أيام فقط من مولده بحمى النفاس وتركت وراءها 9 اطفال اكبرهم انا فى الثانية عشرة من عمرى وأصغرهم شقيقى وعمره 5 ايام.. وكنت فى لآخر سنة فىالمدرسة الابتدائية فتركتها وجلست فى البيت لأقوم بكل اعمال امى رحمها الله فكنت اطبخ وأغسل وأمسح وأرعى شقيقى الرشيع واساعد ابى فى تشطيب الفساتين لكى يأخذ اجره ويعطينا ما نشترى به الطعام كما كنت احمل شقيقى الرضيع على كتفى مرتين كل يوم واذهب به الى بيت خالتى فى حى عابدين لكى ترضعه لأنها كانت قد انجبت حديثا، ولم اكن اشكو من شىء الا من ان ابى قد تغير بعد وفاة امى. فكان يأخذ معظم ما يكسبه بعد ان يترك القليل ويخرج فى المغرب ولا يعود الى فى آخر الليل مخورا ومغميا عليه ولم يتحمل المأساة طويلا فخرج ذات يوم ولم يعد وتركنا سامحه الله للآقدار نواجه الحياة وحدنا .. وشقيقى الصغير عمره 35 يوما فقط.. ووجدنا انفسنا ياسيدى 9 اطفال بلا اب ولا ام وليس معنا مليم واحد فكان الجيران الطيبون يرسلون لنا الطعام كل يوم الى ان يعود ابى الهارب وكنت اواصل الذهاب مرتين الى خالتى لترضع أخى لكن"بنى ادم ثقيل" ياسيدى كما تعرف ويبدو اننى كنت قد اثقلت على خالتى دون ان ادرى فلم أشعر يوما وانا ذاهبة اليها حاملة اخى الذى يبكى الا وحماتها تخرج لى من باب الشقة وتطردنى أنا واخى وتحرم على ان اعود به مرة اخرى فحملته وهو يبكى ونزلت السلم وأنا ابكى فركبت الترام وانا اتهرب من الكمسارى ونزلت السيدة زينب وأخى "يرفر" من الجوع وهدانى تفكيرى كطفلة الى ان ادخل مسجد السيدة زينب وكلما رأيت سيدة أسألها: هل ترضعين ياست؟ فتقول لى واحدة:لا يبابنتى والأخرى تقول لى: ياريت يابنتى الى ان رأتنى سيدة عظيمة اخذت منى اخى وجلست على الأرض وأرضعته حتى شبع ونام ثم سألتنى عن حكايتى فقلت لها كل شىء.. فاذا بها تبكى بصوت عال ثم اخذتنى معها الى بيتها وقدمت لى الطعام وعرضت على ان اعمل عندها، فوافقت بدون تردد لأننا لا نستطيع ان نعيش الى الأبد على طعام الجيران، وهذه السيدة العظيمة التى كان لها اكبر الأثر فى حياتى وحياة اخوتى فيما بعد كانت تعمل دلالة تشترى الأقمشة والمفروشات وتبيعها بالتقسيط المريح للعائلات.. وكانت لهاسمعة كيبة فى الحى كله.. وتتساهل مع "المعذورين" وتؤجل لهم الأقساط وكان صاحب البيت الذى نسكن به بارك الله فيه لا يطالبنا بالايجار منذ ان اختفى ابى وظل كذلك لسنوات طويلة وبدأت العمل مع هذه السيدة العظيمة فكنت اذهب اليها كل صباح فتأخذ منى أخى بلهفة وترضعه وتهتم به واقوم بمساعدتها فى شغل البيت وأحيانا اذهب الى الزبائن وأحضر لها القسط الشهرى، وكانت تعطينا عشرين كنيها كل شهر، كنت اصرفها "بالحكمة" وببركة من عند الله كانت تكفينا شر الحاجة وكنت اعود من بيتها فى المغرب مع اخى الرضيع فأرعى شئون اخوتى مع اختى التىتصغرنى بعام واحد وبتوفيق من الله سبحانه وتعالى وبمساعدة اهل الخير مصت الحياة بنا فتعلمت الخياطة وجلست على الماكينة فى بئر السلم مكان ابى الغائب الذى لا نعرف هل هو على قيد الحياة ام طواه التراب سامحه الله؟ وبضل الله قامت هذه السيدة العظيمة التى اعتبرت نفسها مسئولة عنا بتزويج اثنتين من شقيقاتى لاثنين من اقاربها زواجا موفقا وسعيدا..
وقد سعت لتزويجهما لكى تخفف عنى الاعباء التى زادت على بعد ان تقدمت شقيقاتى فى مراحل التعليم فالتحقت احداهن بكليةالطب والأخرى بكلية الأثار والثالثة بمعهد الخدمة الاجتماعية اما الباقيات ففى مراحل التعليم المختلفة واما شقيقى الأصغر الوليد الذى حملت مسئوليته وعمره 5 أيام فقد بلغ السنة الأولى من التعليم الثانوى اما شقيقتاى اللتان تزوجتا فهما مثلى لم تكملا التعليم الابتدائى بسبب الظروف التى واجهتنا فى البداية وقد احسست بالفراغ الذى تركناه بعد زواجهما لأنهما كانتا تساعدنى فى عمل البيت وفى الخياطة فأرهقتنى مسئولية البيت وتقوس ظهرى من الجلوس على ماكينة الخياطة فى بئر السلم وضعف بصرى من كثرة العمل وأرهقتنى مطالب المدارس والكليات من الملابس والكتب والأحذية وبالذات من الأحذيةالتى ارتفع ثمنها وقلت جودتها فساعدتنى ابنة الجيران التى تعمل ممرضة فى احدى الدول العربية والتى تعرف ظروفنا جيدا على العمل فىالخارج فتركت اخوتى فى رعاية ربنا والناس الطيبين وسافرت للعمل فى مشغل كبير للتفصيل يشغل الدور الأول منالمبنى ويقع سكن المغتربات فى الدور الثانى منه وكانت صاحبة المشغل كريمة معى وكنت على اتصال دائم مع اخوتى ولم احتمل فراقهم اكثر من سنة ونصف السنة وطلبت اجازة وعدت اليهم ومعى اغلى الهدايا من فضل الله ونقود كثيرة فأشتريت لهم تلفزيونا ملونا من السوق الحرة وقمت بترميم الشقة ودهنت الجدران بالزيت وهدمت الحمام وعملته بالقيشانى! واشتريت ثلاجة وعوضت اخوتى كل سنوات الحرمان وفرحوا بى وفرحت بهم..
وخلال اجازتى فى القاهرة قالت لى السيدة العظيمة أنه قد لآن الأوان لأن اتزوج بعد ان بلغت التاسعة والعشرين والحق انى كنت فى التاسعة والعشريت لكنى كنت احس ان عمرى 90 سنة.. فقلت لها انى لم افكر فى الزواج فأصرت وأحضرت لى عريسا مناسبا يملك ورشة نجارة ويعمل فيها وصممت على ان اقابله فقابلته ورأيته انسانا كيبا متدينا وتمت الخطبة وعقد القران وكان طلبه الوحدي منىان ارتدى الحجاب، وكان طلبى الوحيد منه ان يتركنى اعود للعمل فى الخارج لمدة عامين آخرين لأدخر مصاريف تعليم اخوتى لكيلا اتركهم فى منتصف الطريق بعد ان صارحته بأنى لا استطيع المشاركة معه فى اعداج اثاث الزوجية ووافق زوجى على ذلك وارتديت الحجاب وسافرت وبدأت رسائله تصل الى وتسعدنى حتى لاحظت زميلاتى فى المشغل انى تغيرت وأصبحت مرحة وأحب اليحاة والأمل.. لكنه ياسيدى بعد 4 شهور فقط من سفرى كتب الى يطلب منى العودة الى مصر فورا للزواج قائلا انه رجل "كسيب" ولا يوافق على ان تعمل زوجته فى الخارج ويطالبنى بأن اختار بينه وبين عملى فواجهت الحيرة.. انه ينتظر منى ردا عاجلا.. وأنا اريد منك أن تشير على بأقصى سرعة.. ماذا افعل هل اترك عملى واعود الى زوجى الذى لم يحترم عهده لى بالسماح بالعمل لمدة سنتين ويضيع مستقبل اخوتى وهم فى منتصف الطريق ام أرفض وأضحى به واواجه المجهول فى هذه السن؟ اننى اريد ردا عاجلا قبل ان اكتب اليه .. فماذا تقول لى؟
● ولكاتبة هذه "الملحمة" البطولية أقول
انى اهدى رسالتك هذه لكل من يتملكه العجز والاحباط اذا واجه أية عقبة فى طريق حياته فييقعد ملوما محسرا! فها هى أسرة من 9 افراد عائلها "ومرشدها" طفلة فى الثانية عشرة من عمرها .. تجد نفسها فجأة فى مهب الريح بلا اب ولا ام ولا معين ولا مورد.. فتقدم بتلقائية وباحساس غريب بالمسؤلية يفتقده احيانا الرجال وتحمل الأمانة التى تنوء بالمسئولية يفتقده احيانا الرجال وتحمل الأمانة التى تنوء بحملها الجبال وتقود سفينة الأسرة وسط الصخور/ فلا تنهار الأسرة ولا تنحرف ولا ينفرط عقدها.. وانما تتراحم وتترابط وتتكاتف كما تفعل افراخ الطير حين تتداخل فى بعضها البعض التماسا للدفْ فى ليالى الشتاء! لقد ألقت على رسالتك ياصديقتى درسا لن أنساه فى قيمة الكفاح وتحدى الصعاب وحمل الأمانة والتضحية من اجل الآخرين وقدمت لى رسالتك نماذج من البشر لا يملك المرء الا ان يحترمها وان يحبها على غير معرفة ولقد احببت كثيرا هذه السيدة العظيمة فعلا وعملا التى بكت بصوت عال عندما سمعت منك قصتك ثم اعتبرت نفسها مسئولة عنك وعن اخوتك أدبيا وما زالت تمارس مسئوليتها بنفس الأمانة التى الآن حتى لتسعى الى تزويج شقيقتيك من بعض أقارها وتسعى الى زواجك والى تذكيرك بنصيبك من الدنيا! ربما بأرحم مما تفعل بعض الأمهات والشقيقات..
,احببت معك ايضا هؤلاء الجيران البسطاء الطيبين الذين كانو يرسلون لكم الطعام عقب اختفاء ابيك الهارب لا سامحه الله! وأحببت معك صاحب البيت النبيل الذى لم يطالبكم بايجار بعد فرار ابيك ولمدة سنوات طويلة ولمك يفرك لحظة فى انتهاز الفرصة وطردكم من الشقة.. كما قد يفعل بعض من قدت قلوبهم من حجر قلوبهم من حجر، وأمثاله كثيرون وأمثال هؤلاء الجيران الطيبين أكثر فى كل مكان وزمان مهما بدا لنا عكس ذلك احيانا!
وأحببتك كثيرا واحترمتك أكثر وانا اقرأ تفاصيل كفاحك وأحببت فيك روح التضحية التى تبدو عميقة ومتأصلة فى شخصيتك كما احببت فيه نفسك الراضية التى لا تحمل حقدا لأحد ولا مرارة ضد الدنيا رغم الأهوال لتى واجهتها وانما تتذكر لكل انسان فضله فتتحدثين عن السيدة "العظيمة" والجيران الطيبين وصاحب البيت النبيل وصاحبة المشغل الكريمة، وهكذا كل الناس من حولك لأن من يحب الناس يحبه الناس عادة ولأن شخصيتك المضحية الأمينة تفتح لك القلوب بيسر وسهولة لذلك فان زوجك محق بالتأكيد فى ان يتمسك بك وفى ان يتعجل عودتك وأنصح ياصديقتى بالاستجابة الى طلبه.. وبعدم التفشريط فيه فليس من العدل ان تطالبك الحياة بالمزيد من التضحيات بعد كل هذه الملاحم والأهوال ولا يعنى ذلك ابدا أن تتخلى عن اخوتك. فمن بنى هرما كالذى بنيته يسعده ان يكمله ولابد من استكماله وسوف تستمرين فى اداء واجبك فى حدود قدرتك وفترة العام ونصف العام الباقية لن تغير كثيرا من واقع الحال لكن تمسك بها قد يفقدك فرصتك فى الزواج والاستقرار وهو ما لا اريده لك فعودى يا صديقتى الى زوجك ودبرى امر مساعدة اخوتك بما تبقى معك من مدخرات وبما يتسطعيون الحصول عليه من عائد العمل فى شهور الصيف وعلى الماكينة فى اوقات الفراغ طول العام وسوف تواصلين لهم العطاء بعد استقرار حياتك الى ان ينتهوا من تعليمهم وثقى ان الحياة لن تتخلى عنكم كبارا .. كما لم تتخل عنكم فى اقسى الظروف صغارا .. وفى هذا الصدد كدت ان الومك انك وافقت على اختيار شقيقتك لنوع من الدارسة باهظة التكلفة وطويل الأجل كدراسة الطب مع هذه الظروف القاسية النى واجهتكم كما كدت ان الومك على الموافقة على اختيار التعليم النظرى الطويل الذى لا يؤهل لعمل سريع بالنسبة لبعض الشقيقات الأخريات او لاختيار التعليم الثانوى لشقيك بدلا من تعليم متوسط يختصر الطريق ويخفف عنك الاعباء كدت ان اقول لك كل ذلك لولا انى تذكرت فجأة صورتك وانت فى الثانية عشرة من عمرك تحملين شقيقك على ذراعك وهويبكى من الجوع وانت تبكين من القهر ثم تذهبين به الى مسج السيدة زينب تسألين له الرضاعة من كل من تقابلينه ووراءك فى البيت 7 شقيقات صغيرات محرومات ينتظرن رعايتك فافت نفسى ان اوجه اليك اى لوم مهما كان رقيقا فمثلك يلتمس له العذر ولا يلام ومثلك ليس له عندى سوى الحب والاحترام.
ملحوظة: زارتنى كاتبة هذه الرسالة بعد شهور من نشر رسالتها وابلغتنى ان زوجها كتب اليها بعد ان قرأ الرسالة يؤكد لها تنازله عن مطالبتها بالعودة السريعة ويترك لها ان تحدد الفترة التى تراها مناسبة لتحقيق هدفها ويؤكد لها تمسكه لها فى كل الأحوال وأن صاحبة المشغل الذى كانت تعمل به قد قرأت رسالتها وعرفت قصتها وطالبتها بالاستمرار معها لمدة شهرين فقط وبعد انتهائهما اعطتها مكافاة كبيرة تزيد عن مستحقاتها لديها من مكافأة نهاية الخدمة اضعافا مضاعفة، فعادت الى مصر سعيدة وزفت الى زوجها ثم جاءت الى تستشيرنى فى امر شاب تقدم للزواج من شقيقتها الصغرى مواصلة بذلك اداء مسئوليتها "كربة بيت" عن امور اسرتها!

ربنا يسعدها ويرزقها الذرية الصالحة
ردحذفما هذه العظمة ما هذا الاصرار و العطاء
ردحذفانتي يا اختي جبل من الزهور فكلامك طيب و نيتك طيبة حتى احداث حياتك طيبة