لا
أعرف من أين أبدأ قصتي.. فمنذ خمس سنوات فقط كنت فتاة حاصلة علي بكالوريوس التجارة
وأعمل في فرع أحد البنوك وسعيدة بعملي ومجتهدة فيه، وأعيش بين أبي الضابط المتقاعد
ووالدتي ربة البيت الطيبة وأختي التي تصغرني ببضع سنوات، وكانت الحياة تمضي بنا
جميعا هادئة وسعيدة ويتقدم لي من حين لآخر شاب يطلب يدي، فلا أجد فيه فارس أحلامي،
الي ان جاء يوم دخلت فيه مكتب مديري فوجدت لديه شابا ينظر اليّ باهتمام فشعرت بخجل
طاريء، وقدمه اليّ مديري وعرفت انه محاسب شاب يعمل خارج مصر، وانتهي الأمر عند هذا
الحد، بعد يومين فوجئت بهذا الشاب يزور زميلة لي بالبنك ويفتعل الناسبات للحديث
معي فتحدثت معه في تحفظ لأني لا أعرفه، وبعد اسبوع طلبني مديري الي مكتبه وسألني
عن رأيي في هذا الشاب
وأجبته بانه بما تكون لدي من انطباع عابر عنه، فصارحني بانه
يرغب في الزواج مني وشعرت بفرحة ممتزجة بالدهشة والقلق لاني لا أعرف الكثير عنه،
ثم التقيت به وعرفت منه انه يعمل باحد الدول العربية منذ ثماني سنوات وأن والدته
رحلت عن الحياة ووالده متزوج ويعمل بالخارج، وتحدثت إليه بدوري عن أبي وأمي وأختي
واعجبت بشخصيته ورجولته، وتمنيت عليه ان تكون لنا فترة خطبة معقولة لكي أزداد
تعرفا علي شخصيته وطباعه وأفكاره، لكنه كان في عجلة من أمره ويريد ان يرتبط بي في
أسرع وقت قبل انتهاء اجازته والعودة الي عمله وسلمت له برغبته وتم عقد قراننا خلال
أيام قليلة، وسافرت معه في ليلة الزفاف نفسها الي البلد الذي يعمل فيه، ودخلت شقة
الزوجية هناك وأنا أشعر أنني في حلم جميل ولست في الحقيقة، وغمرني زوجي بحنانه
وعطفه من أول لحظة، ووجدت فيه الصدر الحنون الذي يعوضني عن ابتعادي عن أبي وأمي
وأختي لأول مرة في حياتي، ومضت بنا الأيام هانئة والحلم الجميل مازال مستمرا، وذات
يوم تأخر في العودة الي البيت حتي الليل فشعرت بخوف الدنيا كله وارتجف جسمي بمجرد
تخيل ألا يعود زوجي لأي طاريء.. ورجع في النهاية فوجدني في حالة يرثي لها فاعتذر
بتعطل سيارته في مكان ناء، وأراد أن يخفف عني فدعاني للخروج لتناول العشاء معا في
أحد المطاعم وارتديت ملابسي وجففت دموعي وخرجت معه، وفي المطعم استرددت هدوئي
النفسي وشعرت بالسعادة والأمان في صحبة زوجي، فإذا بسيدة شابة تتقدم إلينا، وينظر
إليها زوجي باهتمام شديد، فتصافحه مبتسمة ويقدمها لي ويقدمني إليها، وأتذكر الاسم
علي الفور، انها خطيبته السابقة التي فسخت خطبته بها قبل ان يرجع الي مصر ويتقدم
اليّ مباشرة والتي روي لي قصتها كاملة لكني لم أكن أعرف انها ما زالت مقيمة في نفس
البلد وشعرت بشيء من الغيرة والارتباك ثم تماسكت ورددت تحيتها بأدب، وانصرفت هي مع
من كانت بصحبتهم في المطعم، ورجعنا الي البيت وصورة هذه السيدة الشابة في خيالي.وفي الأيام التالية ساورني تجاهها بعض القلق، لكني صرفت تفكيري عن الانشغال بها لانني أحب زوجي بشدة ونحن سعيدان في حياتنا، ثم فوجئت بزوجي بعد نحو شهر يحدثني حديثا غريبا، فيقول لي انه يريد العودة لخطيبته السابقة التي حالت ظروف طارئة دون ارتباطه بها قبل ان يعرفني، وانه يحبها ولا يستطيع الاستغناء عنها ولا يقبل في نفس الوقت أن يخونني معها أو يخدعني ولهذا فهو يبلغني انه سوف يتزوجها استكمالا للقصة القديمة بينهما ولن يطلقني وسيستمر حالي معه دون تغيير، ولن يظلمني وانما سيكون عادلا معي ومعها وصدمت صدمة شديدة لكني قدرت له صراحته وقلت له إن كرامتي تأبي عليَّ قبول هذا الوضع، وانه إذا تمسك بما يريده فإنني أفضل الطلاق، ورجعت الي بلدي بعد 8 شهور فقط من الزواج وحزن أهلي لحالي كثيرا لكني قلت لهم ان طباعنا لم تتوافق، واننا قد انفصلنا في سلام ودون مرارة، وحصلت علي الطلاق بلا مشاكل ورجعت الي عملي ثم اكتشفت انني حامل بعد قليل من رجوعي لمصر وحاولت التخلص من حملي في شهوره الاولي لكن إرادة الله كانت أقوي من كل شيء فسلمت بما اختاره لي، واتصلت بزوجي السابق واخبرته بحملي فسعد به، وأرسل لي مصروفات المتابعة الطبية والولادة، ووضعت مولودي فكانت بنتا جميلة فرحت بها، وتعزيت بمجيئها عن سوء حظي في الحب والزواج، وجاء زوجي السابق بعد فترة فرأي ابنته واهتم بها كثيرا، وتعاملت معه بفتور ولكن بطريقة مهذبة، وركزت اهتمامي في طفلتي الوليدة وعملي، واصبح زوجي يسأل عن طفلته من حين لآخر ويلتزم بنفقتها ويراها كلما جاء في اجازة وتقدم اليّ كثيرون من زملاء العمل ومن الاقارب وحثني أهلي علي الزواج بشدة لكني رفضت من تقدموا لي لأن قلبي مازال أسيرا لدي زوجي السابق بالرغم من تحفظي الكامل معه، ثم اقترب مني شاب كانت له مصلحة في فرع البنك الذي أعمل به وأعجب بي، واعجبت به وشعرت بأنني استطيع أن أبدأ من جديد معه، فحدثته عن ظروفي كمطلقة وتخوفي من ألا يرحب بي أهله نظرا لذلك، لكنه أكد لي ترحيبهم بي، فاطمأننت اليه وبدأنا نلتقي ونتحدث عن حياتنا المقبلة فإذا بي أخطيء في أول لقاء وأناديه باسم زوجي السابق، وارتبك، ويرتبك، وأسلم بالفشل معه، ويتوقف مشروع الخطبة عند هذا الحد، والآن يا سيدي وبعد ان اصبح عمر ابنتي خمس سنوات كبرت خلالها أمامي يوما بعد يوم فلقد انفصل والدها عن زوجته التي ضحي من أجلها بسعادتي، وحاول الاقتراب مني من جديد ويرغب في استئناف حياتنا الزوجية السابقة من أجل طفلتنا ولكي تحيا بين أمها وأبيها، ولقد رفضت ذلك بشدة وثرت عليه ثورة عنيفة، وعاملته بجفاء ومازلت أفعل ذلك، لانني لم أنس له ما فعله بي حتي الآن لكني مازلت أحبه وثورتي عليه لم تكن ثورة الكراهية والحقد وإنما ثورة الكبرياء والكرامة فهل أقبل العود إليه أم أرفضه، وأرتبط بغيره .
هناك نوع خاص من الاسئلة ينطق بها المرء في ظروف الحرج الإنساني وهو يأمل في أعماقه الا يسمع عنها سوي جواب بعينه لا يرضيه سواه، ولو فاجأه المسؤول باجابة مغايرة لشعر بالغضب المكتوم ولربما سخط علي المسؤول وندم علي استشارته في أمره، فكأنما قد وجه اليه سؤاله من البداية لكي يستعذب سماع الاجابة المرضية له ويطمئن بها، ويبررها لنفسه، ومن هذا النوع الفريد من الاسئلة يا سيدتي تساؤلك الحائر هذا عن العودة الي زوجك السابق أم رفضه والارتباط بغيره، ذلك انك تعرفين جيدا عن نفسك انك تتمنين في أعماقك ان تكون الاجابة عنه بالعودة إليه وليس برفضه، لكنك تحتاجين فقط الي إرضاء كرامتك الإنسانية وكبريائك بالظهور أمام نفسك قبل الآخرين بمظهر المترددة أمام إجابة النداء والحائرة بين نداء القلب الذي ما زال أسيرا لدي زوجك السابق، وطالما تعلق بالأمل في العودة إليه واستئناف الحلم القصير معه وبين نداء الكرامة الذي يأبي عليك التلهف علي العودة الي من نبذك من أجل امرأة أخري بعد ثمانية شهور فقط من الزواج عند أول منه، ولا لوم عليك يا سيدتي في ذلك ولاعتاب، فنحن جميعا نحتاج في بعض المواقف الإنسانية الي ألا نظهر بمظهر المتلهفين علي ما نتمناه في أعماقنا إذا استشعرنا الخجل في ذلك، أو إذا كانت الكرامة الإنسانية تفرض علينا ان نتعفف لبعض الوقت عن التلهف عليه الي أن يقنعنا المخلصون لنا بأن خيرنا فيه، ويرفعون عنا بعض الحرج ولو لم يفعلوا ذلك معنا لعتبنا عليهم في اعماقنا ولشعرنا بتقصيرهم في حقنا، ولقد نضيع بعض فرص الفوز من أيدينا أحيانا لاننا لم نجد من يحثنا علي اهتبالها والتخلص من حرجنا أمامها، وأنت من حقك بغير جدال أن تستشعري عزتك والاحساس بجدارتك وتضمدي جرح كرامتك وتشعري بانك لم تتلهفي علي تجرع إهانة والعودة لزوجك السابق من أول نداء.
وبقدر أخطائنا في حق الآخرين ينبغي أن يجيء التكفير عنها وبقدر ايلامنا لهم يكون واجبنا في الاعتذار لهم والتودد إليهم والصبر عليهم الي أن تشتفي نفوسهم من جرحنا لها لهذا فإنه من واجب زوجك السابق أن يبذل من الجهد في استرضائك وتضميد جراحك وإقناعك بعودته إليك من أجلك وليس فقط من أجل ابنته، الي ان تغفري له جنايته عليك وتبدئي معه صفحة جديدة خالية من المرارة والأحزان، ولعل أول ما ينبغي له ان يفعله بعد الاعتذار اليك هو ان يدرس معك اسباب فشل تجربتكما معا بعد شهور قليلة من الزواج وتتجنبا معا تكرارها، فلقد كان خطؤه الاساسي في حقك هو انه قد سعي للارتباط بك منذ البداية قبل أن يبرأ من حبه القديم لفتاته الأخري علي طريقة الشاعر الذي يقول وداوني بالتي كانت هي الداء فتعجل الزواج منك قبل ان يختبر مشاعره الحقيقية تجاهها وهربا من حبه لها أو أملا في شغل فكره عنها أو ايلامها علي البعد واشعارها بفداحة خسارتها له وكل ذلك من الاعتبارات لا يصلح أن يكون أساسا متينا للزواج، ويحمل في طياته ظلما كبيرا لك فكان من نتائجه ان تصدع البنيان عند أول ظهور لفتاته السابقة في الأفق، وأول إشارة من جانبها لإمكان استئناف قصته معها،و ولم يكن عرضه عليك بالاستمرار معه بعد زواجه منها الا استشعارا فقط لجنايته عليك، ولو كنت قد قبلت به لما سعد بقبولك إياه ولما طالت عشرتك هل أكثر من بضعة شهور أخري.
وظلمه لك ليس مسؤوليته الكاملة وحده وإنما تشاركه هذه المسؤولية تلك الأخري التي رحبت به وهو زوج لأخري لم يمض علي زواجهما ثمانية شهور، فإن كان نصيبه من هذه المسؤولية أكبر فلأنه هو الذي سعي إليك اختيارا ولم يرغمه أحد عليك، في حين لم تكن الأخري تعرفك أو تشعر بحق لك عليها، غير أن ذلك لا يعفيها أبدا من نصيبها الكامل من المسؤولية عما لحق بك من ظلم، فلقد كنا حتي وقت قريب نسمع كثيرا عمن يتعففن أو يتعففون عن اقامة صرح سعادتهم الخاصة علي أنقاض تعاسة الآخرين ونسمع طويلا عمن ويعتبرون أو يعتبَرون نبذ أحد لشريكه أو شريكته من أجلهم مؤشرا علي عدم الوفاء واستسهال الغدر، فأصبحنا الآن ومع تغير منظومة القيم الأخلاقية لدي البعض وتأثرها بالاتجاهات الفردية السائدة في الغرب والتي تبرر للفرد سعادته من أي طريق، نسمع عمن يعتبرون التضحية بسعادة الغير من أجلهم دليلا علي عمق الحب والرغبة فيهم وعلو شأنهم، وهكذا فإن تلك الأخري في حياة زوجك بدلا من أن تستشعر في استعداد زوجك السابق للتضحية بك بلا تردد بعد شهور فقط من زواجه منك من أجلها مؤشرا مخيفا لنوع وفائه لشريكة الحياة، ينبغي أن يحذرها منه ويجعلها تتردد طويلا في الارتباط به، فإنها قد قرت عينا به واعتبرته قربانا مشروعا من قرابين الحب المقدسة يقدمه اليها ولعلها استشعرت بعض الزهو والفخر في ذلك بدلا من أن تشعر بالدونية ونقص الاعتبار لأنها قد قبلت علي نفسها أن تكون ممن ينطبق عليهم التعبير الدارج في اللغة الانجليزية: محطمو البيوت وهم فئة لا تحظي كثيرا باحترام المحافظين في أي مجتمع مهما تكن القيم السائدة فيه، فهل يكون غريبا إذن ألا تطول عشرتهما بعد كل ذلك عن خمس سنوات؟ إن الغريب حقا هو ألا يكون زوجك السابق قد استوعب جيدا دروس فشليه الأول والثاني معك ومعها وألا يكون قد عرف الآن بصدق من يصلحون له ومن لا يصلحون، أو ألا يكون قد عقد العزم بقوة علي أن يكفر عن خطئه في حقك وحق طفلته البريئة ويرغب صادقا في أن يعوضكما معا عما ضاع من العمر في هذا التخبط، ففكري في أمرك جيدا وتأكدي من مواطيء أقدامك قبل الخطو علي الطريق، وأيا كان الأمر فلا ترجعي اليه إلا إذا تأكدت من انه قد استوعب بالفعل درس التجربة وتعلم من أخطائه وسوف يتجنب تكرار العثرات والأخطاء من جديد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق