اكتب اليك قصتي هذه لعلي أشد بها أزر بعض من تضيق بهم الحياة في بعض الاحيان....فأنا يا سيدي شاب في الثامنة والعشرين من عمري وقد توفي والدي منذ ثمان سنوات وكان تاجرا معروفا بالإسكندرية وتركنا وأنا طالب بالسنة الثانية بكلية الطب
وشقيقتي الوحيدة في الثانية عشرة من عمرها ووالدتي الحاجة الموقورة خريجة المدرسة النسوية الثانوية والتي تعلمت في مدرسة ابتدائية فرنسيةفي السادسة والاربعين من عمرها... وكنا حين توفي ابي نعيش حياة مريحة ونقيم في فيلا قديمة تفوح من مبناها القديم رائحة الاصالة والعز القديم ونشغل دوريها ونعتز بحديقتها المتهالكة....وعقب وفاة أبي اكتشفنا انه غارق في الديون وكانت صدمة مذهلة,وانه توفي بأزمة قلبية حادة داهمته بعد أن خسر معظم ما بقي من ثروته في آخر صفقة عقدها وكان يعقد عليها الآمال في تسديد بعض ديونه وتعويم تجارته الغارقة......ولم يكن أمامنا مجال للبكاء على الأطلال وواجهنا الواقع المؤلم دفعة واحدة وأخلينا الدور الثاني من البيت وأجرناه, واكتفينا نحن بالدور الأرضي والحديقة الصغيرة الأثرية وبعنا السيارة وبعض اشياء عينية لتسديد جزء من الديون وواجهت انا الاختيار الصعب بين الاستمرار في دراسة الطب التي تحتاج لنفقات كثيرة لم تعد في مقدورنا,وبين الخروج للعمل ومواجهة مطالب الحياة ومطالب اسرتي,ولم اتردد طويلا رغم قسوة القرار وتخليت عن دراسة الطب وحلم العيادة والمركز العلمي والأدبي....وعملت بإحدى شركات الأتوبيس السياحي التي تعمل بين القاهرة والإسكندرية وقررت أن ألتحق بإحدى الكليات النظرية منتسبا فلا أستطيع الجمع بين العمل والدراسة.....وصدمت مرة اخرى حين علمت ان اقسام الانتساب بالكليات النظرية لا تقبل سوى طلبة القسم الادبي....فققرت ان اعيد الحصول على الثانوية العامة من القسم الادبي...وكنت قبل وفاة ابي قد خطبت زميلة لي بكلية الطب وارتبطت بها عاطفيا ففوجئت بها بعد اضطراري لترك الدراسة واكتشافها اني لم اعد ذلك الطالب الذي يركب سيارة خاصة وتنتظره العيادة المجهزة بعد التخرج تطلب مني في برود عجيب وبدعوى اننا يجب ان نكون "واقعيين" أن أحلها من الارتباط بي....واستجبت لطلبها مذهولا ومتعجبا وتمت خطبتها بسلام لزميل اخر بنفس الكلية بعد فترة قصيرة وفقدت الثقة في كل الفتيات واصبحت حين أقرأ رسالة في بريدك يمتدح فيها انسان خطيبته أو زوجته التي ضحت بالمال من أجله اقول ان مثل هذه الفتاة لا وجود لها.....
ثم واجهت انا حياتي الجديدة بواقعية لا مفر منها وواجهتها معي امي العظيمة بشجاعة وتناست سريعا ايام العز القديم واسترجعت ما تعلمته في المدرسة النسوية القديمة وراحت تقوم بالخياطة وصنع الجاتوه والتورتة بالثمن لبعض المعارف في مناسباتهم الخاصة...ولا ترى في ذلك بأسا بل فخرا لها ولنا لأننا نكافح في الحياة بشرف لتسديد ديوننا ولمواصلة الرحلة....ورحت انا اعمل بإخلاص في عملي الجديد واعيد استذكار دروس الثانوية العامة للقسم الادبي...ونسدد انا وامي بما نكسبه جزءا من ديوننا وننفق الباقي على حياتنا وبالذات على مظهر شقيقتي التي تعودت على مستوى معين من الحياة....ولم أطق حرمانها من شئ تعودته وهي التي حرمت من ابيها في سن الطفولة وكانت ابنته المدللة قبل رحيله يرحمه الله......
وكلما فاجأني شريط حياتي السابقة وانا استذكر دروس الثانوية العامة....وتذكرت الخذلان الذي طعنتني به خطيبتي...وتغير الاحوال طردت هذه الهواجس من مخيلتي سريعا وقلت لنفسي لسنا اول من غدرت بهم الدنيا ولن نكون آخرهم وواصلت الاستذكار والعمل بجد حتى حصلت على الثانوية العامة وانتسبت لقسم الفلسفة بكلية الاداب....وأكرمني ربي فغرس في نفسي حب هذه الدراسة واصبحت احصل على تقدير جيد جدا كل سنة ويأتي ترتيبي الأول بالرغم من أني لا اذهب الى الكلية الا نادرا...وكنت حين أذهب اليها ارى زملائي ينعمون بجو الزمالة والصداقة والرحلات وآسف لأني لا استطيع مشاركتهم كل ذلك لأني مشغول بعملي....وفي ديسمبر الماضي كنت أقوم بعمل في الاتوبيس السياحي الفاخر وأمر بين الركاب لأتأكد من حصولهم جميعا على التذاكر,ففوجئت بإحدى الراكبات تقول لي ألهذا لا نراك في الكلية الا مرة واحدة في السنة؟؟؟مع أنك أول الدفعة ويثني عليك الاساتذة؟؟فوقفت امامها مرتبكا...وادركت على الفور أنها إحدى زميلاتي وان كنت لا أعرفها وتبادلت بعض كلمات المجاملة وغادرتها لأطوف بباقي الركاب وهي تنظر لي باحترام....
وبعد حوالي شهر من هذا اللقاء ذهبت الى الكلية لأقدم بحثا مطلوبا قبل موعد اجازة نصف السنة.....فصادفت هذه الزميلة هناك...وألقيت عليها التحية وانصرفت لحال سبيلي ففوجئت بها تلحق بي وتقول لي انها مستعدة لأي شئ أطلبه منها بخصوص الدراسة ومستعدة لإعطائي المذكرات او تصويرها لي...وشكرتها كثيرا وتعددت لقاءاتي بها وعرفت انها ابنة لأستاذ جامعي محترم وتولتها الدهشة حين حدثتها عن ظروفي السابقة وكيف أني طالب طب سابق ومن اسرة طيبة رغم سوء الاحوال ولعلها تشككت في صدقي وتصورتني اتجمل امامها...ثم عرفتني بأبيها الاستاذ الجامعي فأعجبت كثيرا بشخصيته فقد شجعني على مواصلة الكفاح ورفع من قدري ولم يشعرني بأي نقص وأصر على أن يوصلني بسيارته مع ابنته الى البيت...وبعد عدة لقاءات اخرى اتفقت معها على أن اتقدم لخطبتها وشجعتني على ذلك مؤكدة تأييد والدها لي لأنه يحترم الانسان المكافح ويهتم بالخلق الاصيل وبالاصل الطيب اكثر من اي شئ آخر.....وتقدمت اليه وانا أقدم رجلا و أؤخر اخرى فرحب بي كثيرا واشتبك معي في مناقشات سياسية وفلسفية وحول الامور العامة..واصبحنا كلما التقينا نتحدث في هذه الامور ويزداد اعجابي به....
وتحدثت مع امي عن فتاتي كثيرا فطلبت ان تراها ودعوتها مع اسرتها وقبلت الاسرة الدعوة وجاءت فقدمت لها امي تورتة جميلة وجاتوها من صنع يديها مع الشاي....وراح صديقي الكبير الاستاذ الجامعي يلتفت حوله ليرى المكتبة ويتصفح كتب الطب القديمة التي مازلت احتفظ بها تذكارا لما كان من أمري...وجاءت شقيقتي الوحيدة التي اصبحت الان طالبة بكلية الفنون الجميلة بلوحاتها ليتفرجوا على اعمالها الفنية وسعدنا جميعا بجو عائلي جميل يسوده التفاؤل والحب واحترام الانسان للانسان بغض النظر عن امكاناته...وخطبت هذه الفتاة الرقيقة التي اصرت على ألا اقدم لها اكثر من خاتم الخطبة فقط وعرفت في هذه اللحظة فقط الحكمة الإلهية وراء تركي لكلية الطب والتحاقي بتلك الكلية النظرية......لكي يظهر لي الله حقيقة معدن خطيبتي الأولي التي تخلت عني بغير ان يطرف لها رمش حين تغيرت ظروفي...ولكي يجمع الله بيني وبين هذه الفتاة الاصيلة الرائعة خلقا وخلقة...والتي لم أكن لأعرفها لو لم أتعرض لهذه المحنة...واستعدت ثقتي في اشياء كثيرة في الحياة...وفي الفتيات... وبدأت اصدق ما يكتبه القراء عن تضحيات فتياتهم واختيارهن للحب الصادق الشريف بديلا عن مظاهر الدنيا التي لا تستقر على حال..وأضاءت داخلي مرة أخرى شعلة الأمل التي كانت قد انطفأت وفهمت مغزى الآية الكريمة التي تقول"وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" وأرجو أن يرددها معي من تضيق حوله حلقات الهموم في بعض المواقف...وأن ينتظر فرج ربه بصبر و إيمان كما انتظرته وجاء ليشفي نفسي مما أصابها والسلام عليكم ورحمة الله........
**ولكاتب هذه الرسالة اقول:
منطق أهل الغدر حين يخذلون من أحبهم وبتخلون عنه في محنته بدعوى النظرة الواقعية للأمور هو نفس منطق الأم القاتلة في مسرحية"سوء تفاهم"لألبير كامي حين بررت جرائمها بقولها"إن الحياة أقسى منا" فكان عقابها الإلهي هو أن قتلت ابنها الشاب العائد اليها من هجرته الطويلة ليريحها من عناء العمل قبل أن تعرف أنه ابنها المهاجر منذ زمن طويل!
أما عن منطق الأصلاء والمترفعين عن الدنايا فهو منطق الشاعر الذي يعرف جيدا:
إنما الدنيا هبات وعوار مستردة
شدة بعد رخاء ورخاء بعد شدة
وهم الذين يعرفون أنه لا يغير من قدر الإنسان أن تتغير بعض ظروفه لأسباب طارئة أو لا حيلة له فيها...وإنما يعيبه فقط كل ما يمس شرفه من خلق مستنكر أو تصرف لا يليق به..فإذا كنا نشقى احيانا بغدر الغادرين..فإنما يعزينا عنهم فهم الأصلاء لحقائق الحياة...وتقييمهم العادل لمعادن البشر بعيدا عن الأسباب الزائلة التي لا دوام لها...وفي الصبر دائما يا صديقي"حيلة المحتال"كما يقول شاعر آخر وفي فهم الضعف البشري والإشفاق على اصحابه من انحطاط تفكيرهم ما يهون على الجرحى بعض جراحهم ويقربهم بالكفاح الشريف والتمسك بالقيم من بلوغ الآمال وتعويض الخسائر....وإدراك الجوهر المكنون للشدائد التي قد تندرج تحت مفهوم الألطاف الخفية....وهي ذلك التدبير الإلهي الذي قد يحمل إلينا أحيانا بعض ما نكره لكي يأتينا فيما بعد بأطيب ما نحب إذا رضينا بما كرهناه وواصلنا في الحياة بصبر وأمل وبغير أن نتعجل كسف الأسرار....
وقصتك يا صديقي تقول كل ذلك وأكثر...فلعلك قد عرفت الآن أنه ليست كل الفتيات كفتاتك الأولى...وإن من البشر من لا يتخفى وراء ستار "الواقعية"المزيفة لتبرير غدره وصغار نفسه بدليل فتاتك الأصيلة التى أحبتك واحترمتك قبل أن تعرف شيئا عن حياتك السابقة,وبدليل الأستاذ الجامعي العظيم الذي رأى فيك انسانا جديرا بالثقة والاحترام والفخر بغض النظر عن إمكاناتك المادية....
فهنيئا لك سعادتك وفتاتك وصهرك وأسرتك الشريفة التي يجمعها الحب والتعاطف وتغبطها على دفء روابطها العائلية أسر أخرى لم تحرم من المال بقدر ما حرمت مما لا يشتريه المال وحده وإن كثر من الحب والتراحم والتساند في وجه تقلبات الحياة...
أما والدتك العظيمة فتقديري لها بلا حدود وأرجو أن تستعد من الآن لتورتة الفرح الكبيرة بفنها العظيم وروحها الطيبة الودود التي تجمل الحياة وتخفف من آلامها...وشكرا لك.....
قصة رائعة
ردحذفمذكرات المرشد الشامل هي ملخص شامل مبسط للمنهج المقرر من الصف الأول ابتدائي للصف الثاني عشر ثانوي، وبالإضافة لاحتواء المذكرات على مذكرات وتلاخيص وأوراق عمل وتدريبات ومراجعات وحلول والتمارين وبنوك الأسئلة
مذكرات وتلاخيص وأوراق عمل وتدريبات ومراجعات وحلول والتمارين وبنوك الأسئلة