بالرغم من إدماني قراءة بابك هذا منذ أكثر من اثني عشرة عاما فإنني لم أفكر في الكتابة إليك عن مشكلة تخصني, لأنني ببساطة شديدة ممن ينظرون دائما إلي نصف الكوب المملوء, ولا يركزون أنظارهم علي نصفه الخالي فتثور لديهم أسباب السخط وعدم الرضا..
كما أنني أيضا ممن يحمدن الله دائما علي أي حال مادام قد رضيه لي أو أراد أن يختبرني به, فحين كنت أعاني من قسوة زوجي وإهاناته الشديدة لي كنت أنظر إلي أبنائي وأنا في غمرة الضيق فأجدني في نعمة كبيرة حرم منها غيري, وحين كان أهل زوجي يتمادون في استفزازي وإهانتي خلال اجازاتنا القصيرة من الإقامة في الخارج كنت أحمد الله علي صداقاتي المخلصة الي امتدت من أيام الدراسة واستمرت قوية ودافئة حتي الآن فأشعر بأن الدنيا بخير, وحين قرر زوجي أن ينهي دوري في حياته مع انتهاء عمله بالخارج وعودتنا إلي بلادنا وأنا مازلت في التاسعة والعشرين من عمري عدت أنظر إلي أبنائي وأتحدي بهم واقعي المؤلم, وخلال رحلة العذاب بين أروقة المحاكم بحثا عن حقوق أبنائي وحقوقي لدي شخص لم يتق الله فينا ولم يحفظ للعشرة حقها, كان بصري يتعلق بالسماء دائما أملا ورجاء في رحمة الله.. ومع كل جولة كان يفوز بها مطلقي في المحاكم بسبب أساليبه الملتوية لإثبات عوزه وإعساره حتي يتنصل من مسئولياته المادية, كنت أسجد لله شكرا لأنه أنعم علي بنعمة الرضا والقناعة واليقين بنصره لي في النهاية مهما طال المدي..وكلما غصصت بالمرارة.. لما عانيته في تجربتي مع زوجي السابق وأهله, واستسلمت للذكريات المؤلمة والحزن.. أفقت من هذه الذكريات والأفكار المحزنة علي إبتسامة الطفلين اللذين وهبهما الله لي.. وهما يتحركان حولي في مرح وسعادة, فأرضي بنصيبي من الدنيا وأحمد الله علي كل حال.
ولقد كرست حياتي بعد الانفصال للطفلين وشغلت نفسي بزيادة قدراتي واتجهت لتعلم الكمبيوتر ودراسة اللغات وانشغلت بذلك وبشئون الأطفال ومطالبهم الصغيرة وحكاياتهم اللذيذة وشواغلهم الممتعة.. فوجدت الذكريات الأليمة تنحسر من ذاكرتي تدريجيا, إلي أن تصادف أن التقيت منذ فترة بزوج شقيقة زوجي التي أسهمت ـ غفر الله لها ـ بالنصيب الأكبر في هدم بيتي وتشتيت أبنائي, فتظاهرت في البداية بعدم رؤيتي له وتجاهلته إلا أنه لاحقني حتي لم يعد هناك مفر من رد تحيته, فتقدم مني وسألني عن أحوالي وأحوال الطفلين, وأبدي لي أسفه علي ماكان من زوجته وأسرتها معي.. فغضضت بصري وقلت له ان هذا قدري, وأنني أحمد الله علي كل حال, واستأذنته في الانصراف ومضيت إلي حال سبيلي, وفكرت في هذه المصادفة بعد ذلك وتعجبت لها وتفكرت فيما أبداه من أسف لتصرفات زوجته وأهلها ضدي.. وحمدت الله أن أظهر ظلمي حتي لأقرب الناس إليهم.., وظننت ان الأمر قد انتهي عند هذا الحد.. إلا أنني فوجئت به ينتظرني بعد ذلك بأيام في موعد محاضراتي التي أتلقاها بمركز تعليم اللغات.. ويتقدم مني لتحيتي والسؤال عن أخبار أطفالي ولم استرح لظهوره في المركز وشعرت بالحرج من نظرات زملائي بالدراسة الذين أضع الحدود والسدود بيني وبينهم, وطلبت من زوج شقيقة زوجي السابق ألا يكرر حضوره لمقابلتتي مرة ثانية.. ففوجئت به يصارحني بأنه يحبني ولا يستطيع الحياة بدوني, ووجدته يقول لي ان زوجته كانت قد استشعرت هذه العاطفة القوية لديه تجاهي حين كنت زوجة لأخيها, فدفعها ذلك لافتعال المشاكل والأزمات معي لكي تباعد بيني وبينه, وروي لي أيضا كيف أنها صارحته بهواجسها بشأن عواطفه نحوي ورجته أن يشعر بحبها له ونسياني, وقال لي أيضا أنه يحب أبنائي وسوف يعوضهم ويعوضني عما لقينا من جفاء الأيام, وأنني زهرة تحب أن تروي بالماء والا جفت وذبلت وماتت خاصة أنني في الحادية والثلاثين من عمري, ووجدتني بغير أن أشعر أنفجر فيه وأقول له أنني لست ممن يهدمن البيوت علي أصحابها, وتركته ورجعت إلي بيتي ووجدتني استعيد ماقاله لي فألوم زوجته فيما جنت علي تارة.. وألتمس لها بعض العذر فيما فعلت كزوجة تخشي علي زوجها وحياتها تارة أخري.. ووجدتني اتساءل لماذا لم تصارحني بهواجسها ولو كانت قد فعلت لكنت أعنتها علي استعادة زوجها واحتفظت في نفس الوقت بزوجي ووالد أبنائي ؟
لقد كتبت لك هذه الرسالة بعد قراءتي لرسالة بداية الطريق للسيدة التي يطاردها زوج صديقتها المخلصة طالبا الزواج منها.. ورويت قصتي لها لعلها تستفيد منها, ولكي أضم صوتي إلي صوتك في دعوتها إلي صد محاولات هذا الشخص ومواجهته بقوة لكي يرتدع عنها.. اذ أنني لو كنت قد وافقت علي ذلك الرجل وتزوجته قصاصا ممن ظلمني لوجدت لنفسي بعض العذر فيما فعلت.. لكنني تمثلت بهدي الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم وهو القائل استفت قلبك فاستفيت قلبي وجاءتني الاجابة برفض الغدر بشقيقة زوجي, بالرغم مما فعلته هي وأسرتها ضدي. وأسأل كاتبة رسالة بداية الطريق, اذا كان هذا هو الحال بالنسبة لي.. فأي عذر يكون لها إذا سولت لها نفسها خيانة صديقتها التي فتحت لها قلبها وبيتها وقدمت لها العون والمساعدة في احلك مراحل حياتها اذا هي سلبت منها زوجها وحرمت منه أبناءه ؟
انني أحمد الله أن حماني من شر نفسي وهداني سواء السبيل, وأرجو الله أن يحممي هذه السيدة من شر نفسها ويهديها صراطا مستقيما ويوفقها إلي من يناسبها بغير أن تؤلم بخيانتها أقرب الناس إليها وتندم علي مافعلت بعد حين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
من أهم أسباب السلام النفسي أن يتصالح الإنسان مع نفسه وظروفه وأن يتقبل أقداره ويرضي بكل ماتحمله إليه أمواج الحياة, ويحاول دائما أن يفتش في حياته عن أسباب للرضا عنها.. والعزاء ولاشك أنه من يعين المرء علي ذلك أن يتفهم جيدا حقائق الحياة ويسلم بأنها ليست نزهة قمرية في بحر هاديء الأمواج, وإنما هي دائما افراح وأتراح.. ونجاهات واخفاقاتنا وانتصارات وانكسارات, وأنه كما يحق لنا أن نسعد بأوقات السعادة والانتصار, فان من واجبنا كذلك أن نتقبل هزائمنا واخفاقاتنا بروح عالية لا تنال منها الأحزان والانكسارات ولا تطبعها بطابع المرارة والسوداوية.. والأحقاد.
ولقد أحسنت ياسيدتي التعامل مع إنكساراتك وذكرياتك الحزينة.. بتركيز أنتباهك دائما علي مافي حياتك من جوانب مضيئة تعادل الأحزان والآلام وتعزيك عنها وتجدد لديك الرغبة في الاستمرار.. كابتسامة طفليك.. وشواغلهما الجميلة.. والوعي بالنعمة الجليلة التي يمثلانها في حياتك.. والاستمتاع بالصداقة المخلصة المبرأة من الغرض, والقدرة علي تجديد الحياة وشحذ الإرادة.. وتعلم خبرات جديدة, وخلو النفس من المرارة.. والرغبة في الانتقام ممن أساءوا إليك., وكل ذلك مما يرشحك للتعامل السليم مع الأشياء والأمل في المستقبل الأفضل الذي تأسو فيه الأيام الجراح وتحيلها إلي سعادة وابتهاج بالحياة, ولا عجب في ذلك ياسيدتي لأن القدر الأكبر من سعادة الإنسان إنما ينبع كما يقول لنا الكاتب الأمريكي جون ريد من حياته الداخلية وأفكاره الشخصية وطريقة تجاوبه مع مؤثرات الحياة السلبية والإيجابية علي السواء. فلقد يكون كل مافي حياة الإنسان يدعوه للابتهاج بها, فلا يشعر مع ذلك بالسعادة لأن تفاعله مع حياته وتجاوبه مع دواعي البهجة فيها ليسا سليمين..
ولقد يكون في حياة المرء من أشباب الشقاء مايمكن أن يحيلها إلي جحيم, ويستطيع بالروح العالية والتعامل الحكيم مع الحياة والرضا بقضاء الله وقدره, والاستعداد النفسي السليم لاستشراف أسباب الابتهاج من بين أركان الأحزان, ان يتعزي عن أسباب الشقاء.. بأسباب السعادة ويعلي من إحساسه بما أنعم الله به عليه من نعم جليلة في جوانب حياته الأخري..
ولقد عبرت أنت عن ذلك بوصفك لنفسك بأنك ممن لا يغفلون عن النظر الي النصف المملوء من الكوب ويركزون اهتمامهم وحسرتهم علي
النصف الفارغ منه.. ولقد ذكرني مثال الكوب نصف المملوء بتلك الحكمة الأسبانية التي روت لنا عن رجل لم يكن يكف عن الشكوي لأنه لا يملك حذاء إلي أن رأي رجلا بلا قدمين فرضي عن حاله لأول مرة.. كما ذكرني أيضا بما قاله إمام المتقين علي بن أبي طالب معزيا رجلا حزينا في أمر شق عليه احتماله: من رضي بقضاء الله جري عليه القضاء وكان له أجر, ومن لم يرض به جري عليه القضاء وحبط عمله.
ولاشك في أن خلو نفسك من المرارة وتعففك عن الرغبة في الانتقام ممن آذوك قد ساعداك علي اتخاذ القرار السليم برفض محاولات زوح شقيقة زوجك السابق للاقتراب منك.. فالتزمت بذلك بما تؤمنين به من مباديء ومثاليات ترفض الغدر بالآخرين وتترفع عن هدم البيوت الآمنة علي أصحابها, وحميت من جانب آخر نفسك من التعرض لتجربة أغلب الظن أنها كانت ستضاعف من أحزانك وآلامك, حين تكشف لك بعد حين عن خدعة حقيرة لاستغلال ظروفك كمطلقة حزينة.. واللعب علي أوتارك الحساسة بمعزوفة الحب القديم الذي لا يطيق صاحبه الحياة بدونك مع ان الحب لا يخفي وان جاهد صاحبه نفسه لاخفائه.. ولو كانت قصة هذا الحب حقيقية وصادقة الي الحد الذي استشعرت معه زوجة هذا الرجل خطر عليها, وتحفزت للمباعدة بينك وبين شقيقها, لما غاب عنك ذلك في حينه.. ولاستشعرت شيئا من مظاهره وانت زوجة لشقيق زوجته, بل ولما كان لقاؤه بك لأول مرة مصادفة بعد أكثر من عامين من انفصالك عن زوجك.. وغاية الأمر في ظني هو أنه حين التقي بك مصادفة لأول مرة بعد عامين من الانفصال قد راودته نفسه علي اغرائك بالارتباط به في علاقة لم تكن تنتهي غالبا بالزواج, وإنما بقصة غدر جديدة وضياع فترة أخري ثمينة من العمر, وكل ذلك استغلالا لوحدتك وظروفك.. وماتصوره فيك من رغبة في الانتقام من زوجته, ولهذا فاني أكاد أجزم لك بأن قصة حبه القديم لك هذه ليست سوي حيلة لاجتذابك إليه حتي ولو كانت زوجته قد استشعرت بعض الغيرة المألوفة منك خلال زواجك من شقيقها..ويرجح هذا التقدير عندي أنني قد تسمعت في حديثه المسموم لك صفير الصياد حين يقلد صوت الطيور لكي يغري الطائر الطليق بالاقتراب من مرمي نيرانه استغلالا لميله الغريزي للالتحاق باقرانه.
وكان الصفير الذي حاول اغراءك به هو أن يستشير لديك رغبتك في الانتقام من شقيقة زوجك السابق لدورها مع أهلها في هدم أسرتك, لكي يوقع بك في شباكه.
فحسنا فعلت حين اهتديت بفطرتك السليمة ورفضت الغدر بشقيقة زوجك السابق وعمة طفليك.. وأبيت السعي إلي هدم الأسرة الآمنة.. وإهداء الكأس المريرة التي تجرعت مراراتها الي الغير.
فأما مكر شقيقة زوجك واسرته بك.. فلقد كان الامام جعفر الصادق يقول عجبت لمن ابتلي بالمكر كيف يغفل عن وافوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد, وهو القائل جل شأنه فوقاه الله سيئات مامكروا صدق الله العظيم
إنها ياسيدتي سلاح من يؤمنون بالله واليوم الآخر والسابقين بالخيرات والملتزمين بالفضائل في مواجهة شرور الآخرين وأذاهم ومكرهم.., وهؤلاء هم من يدافع عنهم ربهم ويعوضهم عما يلاقونه في الحياة من عنت, إليهم الآية الكريمة وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور36 فاطر.
وشكرا لك علي رسالتك النابضة بالحكمة والفهم النبيل للحياة..والرضا بما تجري به المقادير.
هذه النفوس الجميلة تشيع الراحة والهدوء حولها دوماااااااااا
ردحذفو افوض امري الى الله ان الله بصير بالعباد
ردحذف