أنا قارىء لبريد الجمعة وكثيرا ما تخيلت نفسي في موقف صاحب
أية مشكلة يناقشها البريد، ولم أتوقع أبدا أن يأتي يوم أرسل لك فيه ملتمسا منك
كلمة مواساة لتطفىء نار همومي أو همسة أمل لتوقد شموع إيماني، فأنا رجل تجاوزت
الستين من عمري تزوجت منذ ما يزيد على ثلاثين عاما من فتاة طيبة همت بها وهامت بي
وقضينا معا سنوات من أجمل أيام العمر وفي بداية زواجنا عشنا السعادة بكل ما تعني الكلمة
لكن هذه السعادة بدأت تتلاشى شيئا فشيئا بسبب تأخر الانجاب وكنا في أول الأمر لا
نهتم بذلك كثيرا، إلا أن تأخر الانجاب طال حتى بلغ خمسة عشر عاما أو تزيد، طفنا
خلالها أنا وزوجتي على أطباء مصر وكلهم أكدوا لنا الواحد تلو الآخر أننا سليمان
تماما وليس فينا ما يمنع الانجاب غير انها إرادة الله، ولا استطيع أن أصف لك كيف
عشنا هذه الفترة العصيبة بين اليأس والرجاء وبين ضغوط الأهل وضغوط المجتمع
فالإنسان أسير مجتمعه ولا يستطيع أن يفلت من قيوده،
!!
وقد بلغ بنا اليأس مبلغا عظيما حتى كنا نجلس أنا وزوجتي ساعات نبكي بكاء مرا عاتبين - بكل أسف - على الله أن جعلنا بين أهلنا فرادى بلا أنيس أو سند أو قرة عين حتى أصبحنا هدفا يسيرا للشامتين وعبرة للمشفقين وبينما نحن بين المد والجزر حيث يرتفع إيماننا الى عنان السماء في حالة الرجاء والأمل ثم ينخسف الى سابع أرض في حالة اليأس والقنوط - بينما نحن كذلك إذا بيوم جميل مشرق تبشرني فيه زوجتي بأنها حامل، ومهما فعلت فلن استطيع أن أصف لك مدى فرحتي وسعادتي بهذا القادم الجديد الى حياتنا وذهبنا الى الطبيب الذي أكد لنا الخبر السعيد ومضى الحمل بسلام ولم يكن يعنينا أن يكون ذكرا أو أثنى فإذا به يأتي ذكرا جميلا تبارك الله في خلقه فسميناه (وحيد) وكان اسما على مسمى وطرنا به فرحا وامتلأت حياتنا رغدا وسعادة وسعد من أجلنا الاقارب والجيران والاصدقاء وبدأ وحيد يشب عن الطوق ويكبر وتكبر معه آمالنا وأحلامنا فأصبح طفلا جميلا ثم غلاما مطيعا فمراهقا دمث الخلق رقيق المشاعر محبوبا من كل من يراه متفوقا في دراسته وله جاذبية متفردة وكنت أراقبه في كل مراحل نموه وأدعو الله ان يطيل عمري حتى أرى أولاده يلعبون حولي، وفي خضم سعادتي بولدي الوحيد هذه كان ينتابني هاجس غامض يملأ قلبي رعبا إذ كنت أتخيل أنني قد أموت قبل أن أفرح به عريسا وأسعد بأحفادي منه وعقدت العزم بين وبين نفسي على أن يكون يوم تخرجه هو يوم زفافه حتى أقفز على الأيام وأعيش مع حفيد لي بعض الوقت.
ومضت رحلته في الدراسة بنجاح لفت الانظار وكان من الأوائل دائما ولم أبخل عليه بشيء، إذ كانت طلباته بالنسبة لي أوامر وأنهى دراسته الابتدائية ثم الاعدادية ووصل الى الصف الثالث الثانوي هذا العام وكنا نودعه كل يوم بالقبلات ونستقبله بالاحضان وإذا تأخر بعض الوقت طار صوابنا من القلق وننزل الى الشارع ننتظره على ناصية الطرق حتى يأتي مبتسما ومداعبا وهو يردد انه قد أصبح رجلا ويريد عروسا أيضا، وأضحك على ذلك وأبدي استعدادت لتلبية أول اشارة له في هذا الموضوع وفي احد الايام وبعد أن ودعنا ابننا بالقبلات كالعادة وهو ذاهب الى مدرسته التي تقع بالقرب من شريط القطار قالت لي أمه انها تشعر بانقباض غريب في صدرها فقلت لها ربما كان ذلك بسبب الربو وذهبنا الى الطبيب ثم عدنا وما هي الا ساعات قليلة حتى أتى إلينا الناعي بخبر ابننا طالب الثانوية العامة، فقد دهسه القطار بعد خروجه من المدرسة وهو يعبر الطريق، واظلمت الحياة في اعيننا ومرة أخرى فإني مهما استدعيت من ذاكر الكلمات فلن استطيع ان أعبر لك عن مدى حزني وتعاستي إذ يكفي أن تعرف أننا لم نتحمل حتى كلمة المواساة من المواسين فأما أمه فقد أخذها الصمت بعد أن دعت بدعوى الجاهلية وظلت تردد ليتنا لم ننجب من الأصل ليتنا لم نره ليتنا بقينا عاقرين ثم طال صمتها وفقدت النطق، أما أنا فقد كنت أكثر ثباتا نسبيا رغم انني فقدت الرغبة في الحياة ولم أعد أرى لها أي معنى، غير أني أحاول الآن أن أقارن بين حالنا بدون انجاب وحالنا اليوم بعد أن أنجبنا وربينا ثم فقدنا ابننا في ريعان شبابه، فأجد ان الحال الأول أهون آلاف المرات من الحال الثاني، ففي الأول كان لدينا الأمل وكنا لا نعرف قيمة ما يفقد على وجه اليقين أما في الحال الثاني فليس لدينا سوى اليأس وقد عانينا ما فقدناه وعرفنا كم هو غالٍ وكم كانت الخسارة فادحة.
انه الآن وبعد مرور أربعة أشهر على هذا الحادث أحاول أن أتأمل حكمة الله في حياتنا وقد أدركت أن حكمة الله في المنع هي عين حكمته في المنح، فالمنع من الله هو عطاء أيضا فلو أننا رضينا بقدر الله فينا عندما كنا بلا انجاب لسعدنا وارتاح بالنا وقد أدركت بعد فوات الأوان أن عدم الانجاب كان رحمة من الله لو كنا نعي ذلك، بينما كان الانجاب ثم الفقد هولا شديدا لا يتحمله الا الصابرون وما أقلهم فليرض إذن الذين لو علموا ان العقم نعمة كبرى لشكروا الله عليها غدوا وعشيا، وأرجو منك ان تتوجه بكلمة الى زوجتي توقد بها شموع حياتها، وإيمانها إذ بالرغم من أنني خرجت الى المعاش وأنا مدير لمدرسة ابتدائية الا انني فشلت في نزع فتيل الحزن من قلب زوجتي - ربما لأنني مكلوم مثلها وفاقد الشيء لا يعطيه - فلعلك تكون أقدر على ذلك مني بما وعيت من هموم ومشكلات ليس لها عدد، ومن وعى التاريخ في صدره أضاف أعمارا الى عمره كما قال الشاعر، كما أرجو أن يكون فيما رويته عليك عبرة لكل من يعتبر ان العقم مشكلة تستحق الحزن عليها .

.
ولكاتب هذه الرسالة أقول
لا تلم نفسك يا سيدي على اقدارك التي لم تخترها لنفسك
ولا تحاول البحث عن اسباب ومبررات تفسر بها هذه الاقدار الحزينة فتزيد بذلك من
معاناتك بدلا من أن تتخفف من بعض الاحزان، وتتعزى عنها قدر الجهد والاستطاعة فمن
قبيل محاولة التفسير أن تربط بين عدم تقبلك الحرمان من الانجاب لأكثر من خمسة عشر
عاما من الزواج وبين فاجعة فقد الابن الوحيد الذي جادت به عليك السماء بعد طول
الانتظار، وان تشعر بانك لو كنت قد تقبلت اقدارك وقتها لما وقعت الفاجعة، أو لما
اكتويت بنار الثكل وانطفاء الشمعة التي كانت تنير حياتكم، والحق هو ان تأخر الانجاب
عنك في بداية الزواج، كان من تصاريف القدر، وكان انجابك لابنك الوحيد واستمتاعك
بممارسة احساس الأبوة الذي تلهفت عليه طويلا معه ثم انطفاء الشمعة الصغيرة قبل أن
تتم نورها قدرا مقدورا لك، ولا شأن لسخطك على تأخر الانجاب في بداية الزواج، بما
جرت به المقادير بعد ذلك ومن واجب المكلوم أن يتلمس أسباب السلوى والعزاء وليس ان
يضاعف من احزانه وهمومه، بلوم النفس، والشعور الخاطىء بالذنب من أقدار لا حيلة لها
فيها، وكأنما قد كان له دور معلوم في هذه الأقدار المسطورة من قبل مجيئه من عالم
الغيب أو كأنما كان من الممكن ان يتغير القضاء المحتوم لو كان قد سلك في الحياة
سلوكا مختلفا عما فعل، وكل ذلك ليس سوى تداعيات للحزن العميق والاكتئاب ومحاولة
لجلد النفس عقابا لها عن بعض خطراتها وشواردها، والأفضل في مثل هذه الظروف الحزينة
هو ان تردد ما قاله أحد كبار الصوفية في موقف مماثل: الخير أردت ولا يعلم الغيب
إلا الله، ولا بأس بعد ذلك من محاولة النظر الى المحنة من الزاوية الأخرى،
واستبدال احساس الندم على أنك قد انجبت والاقتناع بأن حالك ربما كان أفضل لو كان
الحرمان من الانجاب قد استمر الى النهاية، ان تجرى مع النفس حوارا هادئا وتحاول
الاقتناع بانك وإن كنت قد اكتويت بنار الثكل المحرقة اعانك الله واعان زوجتك عليها
- فلقد جنيت كذلك مشاعر الأبوة.. وبهجة الانجاب.. وايناس مداعبة الطفل الصغير
ومراقبته وهو يحبو ثم يقف على قدميه ثم يمشي ويجري ويملأ الدنيا بهجة وسرورا،
سنوات غاليات من العمر - وأنه لو رجع الزمن الى الوراء لربما فضلت ألا تحرم منها
بغض النظر عما جرت به المقادير بعد ذلك.
كما ان من يغيبون عنا لا يموتون عند رحيلهم، وانما حين ننساهم، ونحن لا ننساهم ابدا ياسيدي، لأنهم يعيشون دوما في قلوبنا وذكرياتنا، وتملأ صورهم مخيلتنا ونسمع اصواتهم في آذاننا، وهم حاضرون دواما في وجداننا مهما بعدت الذكرى، وبالتالي فإن التجربة لم تذهب سدى رغم احزانها وآلامها وانما تركت لنا هذه الذكريات العزيزة والمشاعر الثمينة أما زوجتك الفاضلة فأني لا أجد من الكلمات ما أواسيها به، لكني استعيد فقط ما قاله أحد الصالحين معزيا خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز في ولده الصالح التقي الذي قضى نحبه في مطلع الشباب حين قال له: إن الذي كان لك في الدنيا سرورا، قد أصبح لك في الآخرة أجرا.
ذلك أن الحال كذلك معك يا سيدتي ومن كان لك في الدنيا سرورا وبهجة وإيناسا قد أصبح لك في الدار الآخر أجرا عظيما وسعادة باقية في الدار الأخرى بإذن الله، وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون .
مع تمنياتي الصادقة لك بأن تتعايشي بقدر الإمكان من أحزانك وتتقبلي أقدارك الأليمة في الحياة وألا تضاعفي من خسائرك بالاستسلام للحزن والقنوط إلى ما لا نهاية. والسلام.
كما ان من يغيبون عنا لا يموتون عند رحيلهم، وانما حين ننساهم، ونحن لا ننساهم ابدا ياسيدي، لأنهم يعيشون دوما في قلوبنا وذكرياتنا، وتملأ صورهم مخيلتنا ونسمع اصواتهم في آذاننا، وهم حاضرون دواما في وجداننا مهما بعدت الذكرى، وبالتالي فإن التجربة لم تذهب سدى رغم احزانها وآلامها وانما تركت لنا هذه الذكريات العزيزة والمشاعر الثمينة أما زوجتك الفاضلة فأني لا أجد من الكلمات ما أواسيها به، لكني استعيد فقط ما قاله أحد الصالحين معزيا خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز في ولده الصالح التقي الذي قضى نحبه في مطلع الشباب حين قال له: إن الذي كان لك في الدنيا سرورا، قد أصبح لك في الآخرة أجرا.
ذلك أن الحال كذلك معك يا سيدتي ومن كان لك في الدنيا سرورا وبهجة وإيناسا قد أصبح لك في الدار الآخر أجرا عظيما وسعادة باقية في الدار الأخرى بإذن الله، وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون .
مع تمنياتي الصادقة لك بأن تتعايشي بقدر الإمكان من أحزانك وتتقبلي أقدارك الأليمة في الحياة وألا تضاعفي من خسائرك بالاستسلام للحزن والقنوط إلى ما لا نهاية. والسلام.
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
ردحذفالجاى الى الله فهو خير انيس وخير من تحدثين هو احن عليكى من نفسك لله ما اعطى ولله ما اخذ فلقد اعطاكى ياسيدتى وديعه واخذها وسوف يجمعك بها فى الجنه تاملى قول الله فى سورة الكهف(فخشينا ان يرهقهما طغيانا وكفرا فاردنا ان يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة واقرب رحما)ما ابتلاكى ليعذبكى وما منعكى ليشقيكى اعلمى انكى لو علمتى الغيب لاخترتى ما قدره الله لك فهو ارحم على وحيد منكى ادعى له بالجنه وبان يجمعكى الله به فيها ابنتك هاله
ردحذف